الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
504
مختصر الامثل
ولا يستبعد أن تكون علامات وآثار نبي الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله والتي أشير إليها في آيات قرآنية أخرى ، جزءاً من الأمور التي نسيها بنو إسرائيل - كما يحتمل أن تكون هذه الجملة القرآنية إشارة إلى ما حرفه أو نسيه جمع من علماء اليهود أثناء تدوينهم للتوراة من جديد بعد أن فقدت التوراة الأصلية ، وإنّ ما وصل إلى هؤلاء من كتاب موسى الحقيقي كان جزءاً من ذلك الكتاب وقد اختلط بالكثير من الخرافات ، وقد نسي هؤلاء حتى هذا الجزء الباقي من كتاب موسى عليه السلام . ثم تتطرق الآية إلى ظاهرة خبيثة طالما برزت لدى اليهود - بصورة عامّة - إلّاما ندر منهم ، وهي الخيانة التي كانت تتكشف للمسلمين بين فترة وأخرى . تقول الآية الكريمة في هذا المجال : « وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ » . وفي الختام تطلب الآية من النّبي صلى الله عليه وآله أن يعفو عن هؤلاء ويصفح عنهم ، مؤكّدة أنّ اللَّه يحب المحسنين ، وذلك في قوله تعالى : « فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » . إنّ العفو والصفح المطلوبان في الآية يشملان - فقط - تلك الحالات التي كان اليهود يوجهون فيها أذاهم وتحرشاتهم واستفزازاتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله ولا يشملان أخطاء اليهود وجرائمهم بحق الأهداف والمبادىء الإسلامية ، حيث لا معنى للعفو في هذا المجال . وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ( 14 ) العداء الأبدي : لقد تناولت الآية السابقة ظاهرة نقض بني إسرائيل للعهد الذي أخذه اللَّه منهم ، أمّا الآية الأخيرة - هذه - فهي تتحدث عن نقض العهد عند النصارى الذين نسوا قسماً من أوامر اللَّه التي كلّفوا بها - فتقول الآية في هذا المجال : « وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مّمَّا ذُكّرُوا بِهِ » . فهذه الآية تدل بوضوح على أنّ النصارى - أيضاً - كانوا قد عقدوا مع اللَّه عهداً على أن لا ينحرفوا عن حقيقة التوحيد ، وأن لا ينسوا أوامر وأحكام اللَّه ، وأن لا يكتموا علائم خاتم النبيين لكنهم تورطوا بنفس ما تورط به اليهود . أمّا كلمة « نصارى » التي وردت في الآية فهي صيغة جمع نصراني ، ويحتمل أن يكون وجه التسمية ناشئاً عن قول المسيح عليه السلام كما تحكيه الآية ( 14 ) من سورة الصّف عنه إذ تقول :